الشيخ حسن المصطفوي

274

التحقيق في كلمات القرآن الكريم

وأمّا الحلم بمعنى البلوغ : وهو عبارة عن حصول حالة فيها تنضبط النفس وتتخلَّص عن الطيش والاضطراب وهيجان زمان الطفوليّة . ويناسب هذا المعنى حصول حالة السكون والتسليم للأديم في مقابل دوابّ تفسده ، فيتحصّل له التثقّب . ثمّ إنّ صفة الحلم المنتسبة إلى اللَّه المتعال ذكرت في القرآن الكريم ، مقرونة بصفات أخرى على ما يقتضيها المقام : غفور حليم ، غنيّ حليم ، عليم حليم ، شكور حليم . وإذا نسبت إلى فرد من الإنسان : فهي من أشرف الصفات ومن محامد الغرائز البشريّة ، الَّتي يرتقي به الإنسان إلى أعلى المقامات ، ويتمكَّن في السلوك إلى اللَّه العزيز بالسكون والطمأنينة : * ( إِنَّ إِبْراهِيمَ لأَوَّاه ٌ حَلِيمٌ ) * ، * ( فَبَشَّرْناه ُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ ) * - 37 / 101 . فقد اتّصف شيخ الأنبياء بهذه الصفة . * ( وَإِذا بَلَغَ الأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) * - 24 / 59 . أي زمان انضباط النفس وحصول حالة السكون والاستقرار والتعقّل . والتعبير بهذه الصفة دون العقل : فانّها المناط والمنظورة ، وبينهما عموم وخصوص من وجه . وقد يوجد العقل بلا حالة الطمأنينة كما في حالة الغضب والطيش . * ( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) * - 12 / 44 . أي أمور مشوّشة متفرّقة تتراءى في النوم ويراها النائم حين اطمأنّ واستراح عن اضطراب اليقظة . يراد أنّ هذه الرؤيا بمقتضى حصول حالة السكون والطمأنينة ، ثمّ انتقاش الصور المتشتّتة في النفس . وهذا المعنى هو الموجب في حصول هذه الرؤيا ، وينفى العلم بتعبيرها ، دون مطلق رؤيا النائم ، فانّ منها الرؤيا الصادقة . فظهر لطف التعبير بهذه المادّة في هذه الموارد ، وليس لها إلَّا أصل واحد ، كما بيّنّاه ، والفروع يرجع اليه .